✨ اللحظة الأولى
في لحظة واحدة... انطفأ كل شيء حوله، لكنه لم ينطفئ. لم يكن الصمت الذي سبق ولادته طبيعياً... في غرفة صغيرة داخل بلدة جديتا بمحافظة إربد، كانت الحياة تكتب بشكل مختلف تماماً.
ولد توأمان عام 1997... لكن الفرحة لم تكتمل؛ فبعد ثلاثة أيام فقط، رحل أحد الطفلين وغاب إلى الأبد، وبقي راشد. طفل صغير، جاء إلى الدنيا مبكراً، وكأن الحياة استعجلت اختباره منذ اللحظة الأولى. قضى أكثر من ثلاثة أشهر في الحاضنة، بين أجهزة التنفس والخطر، يصارع ضعفاً في الرئتين ومشاكل صحية ثقيلة.
👁️ حين كشف السر
كبر راشد، وكبرت معه أسئلة العائلة... لكن الإجابة جاءت ببطء، وبألم أكبر مما توقعوا. فبعد سنوات من المراجعات الطبية، اكتشف الأطباء الحقيقة التي ستغير كل شيء: راشد فاقد للبصر.
ويسترجع تلك المرحلة قائلاً: "الأطباء كانوا عارفين الحقيقة، بس ما كانوا قادرين يحكوا لأمي".
في تلك اللحظة، لم يكن الألم في التشخيص فقط... بل في كيف يمكن لطفل أن يرى العالم دون أن يراه بعينيه. لكن الغريب أن هذا الطفل، الذي حُكم عليه أن يعيش في الظلام... لم يعش مظلماً. ويقول راشد عن حياته داخل العائلة: "ولا يوم بحياتي حسيت إني مختلف عنهم، بالعكس، كانوا يعتمدوا علي أكثر من غيري".
🎙️ وزير الإعلام
لكن القصة لم توقف عند حدود البيت... بل بدأت أول مواجهة حقيقية مع العالم. ففي عمان، وداخل الأكاديمية الملكية للمكفوفين، بدأ راشد يتعلم كيف يعيد تعريف الحياة بطريقته الخاصة. هناك، تعرف على لغة برايل، ليس فقط كوسيلة قراءة، بل كبوابة للعالم.
وفي الصف الرابع، وقف لأول مرة أمام الميكروفون في الإذاعة المدرسية... لحظة صغيرة في نظر الآخرين، لكنها كانت بداية تحول كبير في حياته. ويصفها قائلاً: "لليوم بتذكر توتري، نفسي السريع وخوفي".
لكن ذلك الخوف لم يوقفه... بل كشف له شيئاً لم يكن يعرفه: صوته. شيئاً فشيئاً، أصبح راشد الاسم الذي يتكرر في كل نشاط مدرسي، حتى لُقب بـ "وزير الإعلام". وكان يهرب أحياناً ليستمع إلى صوت الإعلامي محمد الوكيل، وكأنه يتعلم من الصوت قبل أن يصبح هو الصوت.
🏫 مواجهة المجتمع
لكن العالم خارج المدرسة لم يكن دائماً لطيفاً؛ فعند انتقاله إلى مدرسة للمبصرين في بلدته، واجه تنمراً وسخرية وكلمات جارحة حاولت أن تقلل من قدره، لكنها لم تنجح في إيقافه.
أنهى الثانوية العامة، وقرر أن يدخل باباً كان الجميع يقول إنه ليس له: الإعلام. وفي جامعة جدارا، كانت التحديات أكبر من المتوقع؛ حيث لا كتب بلغة برايل، ولا وسائل تعليم مهيأة. لكن والدته كانت السند الحقيقي له، فكانت تسجل له المحاضرات بصوتها، وهو يحفظ ويثابر.
🚀 بداية الحلم الحقيقي
ثم جاءت اللحظة التي بدأت تغير كل شيء... فرصته الأولى في الإعلام بدأت تفتح له الباب، وصوته بدأ يُسمع أكثر. لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالتصفيق دائماً؛ ففي إحدى المحاولات المهنية، واجه موقفاً محبطاً، وكلمات لم تكن رحيمة، ونظرة شك بقدراته. خرج يومها مثقلاً، لكنه لم يتراجع.
بعدها جاء تقرير تلفزيوني كان نقطة انعطاف حقيقية، وفيه قال راشد جملته التي لخصت رحلته كلها: "لا تنظر لإعاقة الإنسان، انظر لكفاءته".
بعد بث التقرير، تلقى اتصالاً من قناة رؤيا... بداية لم تكن متوقعة أبداً. مرت أيام الانتظار، حتى قال لنفسه: "مش مشكلة، شكله ما رح يقبلوني، أنا أساساً ما قدمت لهم".
لكن المفاجأة جاءت عكس كل التوقعات... قبول رسمي، وبداية حقيقية أمام الكاميرا. وفي أول ظهور له على الهواء، لم يكن الأمر سهلاً؛ صوت داخلي يرتجف وبداية ثقيلة، لكنها كانت البداية التي غيرت مساره بالكامل.
واليوم، يقف راشد ربابعة أمام الكاميرا، يقرأ الأخبار بلغة برايل، متحدياً حتى التفاصيل الصغيرة التي لا يراها الآخرون. ويقول: "بالنهاية هذا ورق مكتوب بلغة برايل، ومع برد الشتاء أحياناً بفقد الإحساس بأصابعي، وبضطر أقرأ ببطء، لكن الحمد لله عم بتأقلم كل يوم أكثر وأكثر".
🤝 الخاتمة
في النهاية، لم يعد راشد ربابعة مجرد شاب يواجه تحديات فقدان البصر، بل أصبح نموذجاً يحتذى به في الإصرار وتجاوز الصعاب.
تُلخص قصة راشد رحلة إنسان بدأ حياته في ظروف صعبة، لكنه استطاع أن يحوّل التحديات إلى فرصة، وأن يصنع لنفسه مكاناً في واحد من أصعب مجالات العمل الإعلامي. ومن طفل ولد في بداية مليئة بالخسارة والاختبار، إلى مذيع أخبار يقف أمام الكاميرا بثقة، تبقى قصته شاهداً على أن الإرادة قد تصنع طريقاً حتى في أحلك الظروف.